
عندما تفاقمت كل الأقدار وتحولت ضدى ، عندما تأججت نار الخيانة وأحرقت كل شئ، وبقدرة قادر إنتهى كل حلم وكل عهد، وبقدرته أيضاً شَطَبَتنى من حياتها ومن قلبها ومن جسدها بكل برود، فى هذه اللحظة بالذات كنت أملك عشرات الطرق للرحيل، وطريق واحد للمواصلة، وصدفتان غريبتان قطعتا عليّ رحلة نسيانى!
قبل نقطة التحول بشهر كُنّا خمسة، أنا وهى وصديقتها وبنت عم الأخيرة ومُظاهرة، ومن قبلها بعشرة دقائق كنت أول مرة أراها .. شعرتُ بطيبه تجاهها وسط ثلاثتهم ولكننى مُرتبط، أقصد لكننى كنت مُخلصاً وهذا كفيل بتبديد أى نوع من العلاقات!
وتدوى الصياحات من حولنا ورغبة داخلية فى الذهاب لتغطية الحدث، وإمتناع بسببها بحجة أنها خائفه علىّ، لقد كانت تُدجننى بإرادتى، وكنتُ راضياً برغم طاقاتى المتراكمه بداخلى والتى نجحتُ فيما بعد فى إنجاز كل ما سبق فى خطوة لا بأس بها فى حياتى بوجه عام!
تسير الأيام بسرعة، نهرول وراءها تارة ولكنى أبداً لم أتخطاها سوى عندما صادفها فى المكتبه وعرفت أنها تعيش بالقرب من مسقط رأسى، ودعتنى وتركتنى منتظراً الأخرى ريثما تفرغ من شراء كِتاباً دراسياً لدكتور مُعقد نفسياً.
طردتُ كل الهواجس، ولم أُعط لفسى فرصة لأخن، كنتُ سعيداً برغم حزنى!
وإنقضى الشهر، وإنقضت معه كل الأحلام والأمانى والمشروعات والأفكار .. إنقضى كل شئ، حتى ولو كان هذا من طرف واحد، لا بد أن تكون الخيانة سرطانا تنتقل إلى كل الأطراف، ولكنى لم أفعل وظللتُ صامداً حتى أمام أقاربها.
وبعد نقطة التحول بيومان كنتُ عائداً مع الزملاء فى نهاية اليوم، وفى منتصف الطريق كان صوتها ينادينى باسمى، وعندما سمعتُ اسمى مرة أُخرى أدركت أن المرة الأولى لم تك من مُخيلتى التى أحفر لها قبراً فى تلك الظروف، كم كانت صدمة عندما إلتفتُ خلفى لأراها، وسألتها ببراءة ناسيا كل ما حدث ..
*
أخبارها إيه؟
*
أنا اللى كنت عاوزة أسألك!
*
خلاص .. !
(وكان كل شئ فيه يقول أن الموضوع إنتهى، نظرة عيني وأصوات قلبى الذى إنتعش وتَحَسَّر على مُحاصرته بغلق سُبل النسيان!)
أنا الآن حُر، وتبادلنا أرقام هواتفناا وبعض تساؤلات دارت فى رأسينا، كلانا تساءل : لماذا؟
كانت تسأل لماذا إنتهت العلاقة؟
وكانتُ أسأل لماذا تلك الصدفة فى هذا الوقت بالذات؟
قضينا ما تبقى من مسافة فى حالة نشاط عقلى، كلانا حاول الإجابة بنفسه على سؤاله .. وفشل!
*
هكلمك كمان ساعتين.
*
مع السلامة.

كعادتى لا أستطيع الدفاع عن نفسى، طيبتى مُفرطة ولكن إحساسى قام بكل شئ، وثقتْ فى براءتى من كلماتى التى جئتُ بها من هنا وهناك، وكما ستصبح صديقة مُخلصة لى فيما بعد، كانت صديقة مُخلصه لها وهاتفتْها لتتخبرها أنها ستقابلنى فى الغد، كانت تستأذن منها، فوجدت أسوأ من أسوأ ما كانت تتخيله، كانت تظن أنها مُشكله وستمر .. لكنها تأكدت من صدقه، وتيقنت من خيانتها!
وتقابلنا فى (الموعد) هكذا كنت أتذكرها من بعض الكلمات التى أثَّرَت فيها نتيجة حياتها بالخارج، وحكيت لها فى وقت لا يتكرر ولشخص لا يتكرر!
أخبرتها بكل ما أتذكره، كانت بجوراى .. رجلاً. صديقاً وفياً، كنت أكررها مرات ومرات .. لن أرتبط، كنت أنتظر أن تقول شئ إلا أنها كانت تصمت دائماً.
هكذا كنت أفعل بعد أن عرفت من أول لقاء بصديقها، هكذا لم أشأ إقتحام حياة الأصدقاء المخلصين، تركتها للتجربه، بيد أننى لم أكُ بعيداً عنها ولا هى كانت كذلك، كانت تحكى لى باستمرار عنه وكانت تحكى أيضاً عن بنت عمها وصديقها وأبيها الذى توفى .. بالإضافة إلى عدم إستقرار العلاقة بين صديقتى الغريبة وبين بنت عمها المتوطنه فى البيت!
حدث أن إجتمعنا نحن الأربعة مرة أخرى، لكننا هذه المرة كنا ولدان وبنتان، كنا معاً .. أحكى لها عن مشاريعى وأحلامى، وعن عدم إستقرار دراسى، وكانت تحكى لى عن كل شئ .. عن علاقات كثيرة عن علاقتها بصديقها وعلاقاتها ببنت عمها وعلاقة بنت عمها بصديقها، وعن تلك المكالمات المزعجة من شخص غامض. تحدثت عن كل العلاقات إلا علاقتى أنا بها!
رسائل ومكالمات وترتيبات وإعتذارات ومَعرض، ولا يخلو الأمر من صدفه ثالثة، لتؤكد لى أنها نفس السيارة التى كانت فى الصدفة السابقة، صدفة صداقاتنا وصدفة إنتشالى منى،
أخذت أسئلة صديقى النفسية ودفتر أشعارى ورحلت فى منتصف العام، كان هذا هو الرحيل الأول، ودعتها ليلتها، وودعتها مرة أخرى بعدها بيوم لأنها لم تُدرك الطائرة!
حدثتنى من هناك مرة أو إثنين، كانت تطمئنى عليها، وإختفت أُسبوعان لأجدها تُحدثنى من داخل الوطن! سألتها عن حال أُسرتها ولم أسئلها عن الكتاب التى وعدتنى به قبيل سفرها.
تقابلنا وحكت لى بطبيعتها عن مشاغبات أخواتها الصغار وكيف كانوا فى غاية السعادة وهى راحلة عنهم! فقد كانت تُسيطر على كل الأجواء، الأبوان يبثانها عطف وحنان وحب العام كله فى تلك الأيام القليلة!
هنأتها على هاتفها الجديد وحاولت أن أحل المشكلة التى تؤرقها بسببه وفشلت.
بين الحين والحين تتذكرنى بشئ .. إلى أن هاتفتنى صباح يوم ما وإلتقينا بعدها بدقائق، وأخبرتنى بأن علاقتها بصديقها إنتهت .. أو لعلها لم تك علاقة من الأساس، وأن بنت عمها لا تزال تفتعل المشاكل، وعن نتيجتها التى لم تظهر حتى الآن! وسألتنى عن رأيى فى أمر إرتباطها رسمياً ، أخبرتها أننى أرفض هذا الآن ، فهى لا تزال صغيرة، وهذا الغبى الذى يفرض نفسه عليها أنا أرفضه ، كنت قد هاتفته مرة فى التليفون وأخبرته ألا يتصل بها مرة أخرى ولا يضايقها .. وها هو الآن يتقدم لها .. وهى الآن تسألنى .. من المؤكد أنها كانت تعرف رأيى مسبقاً وإلا لم تستشيرنى! ، ولأول مرة منذ زمن أخبرتها عن حالى بكل صدق وصراحة، حال مؤسفة.

يوم أو يومان مرا ، لم أعتد غياب اسمها عن هاتفى ، لم أعتد غياب مداعبتها لى فى الثانية عشرة ، إتصلت لأطمئن عليها ، هاتفها مغلق .. لم أدع لنفسى الفرصة لأتخيل أن تكون قد فَعَلتهَا .. كنت أحتفظ برقم هاتفها القديم ، لعلها أعادت تشغيله لأمر ما! ثم لماذا لم تخبرنى؟ وكيف إمتلكت الجرأة لتفعلها؟ هل إرتبطت بهذا الشاب؟ هل ظهرت نتيجة التيرم الأول وأصابتها بالصدمة فقررت الإنقطاع عن العالم وأنا منهم؟ هل فقدت الأمل معى وأنا أكررها فى كل مرة بحسن نية .. أنا لا أفكر بالإرتباط .. أنا سعيد هكذا ..؟ كانت تصمت .. والآن رحلت! أعرف أن كلماتى كانت قاسية لكنى لم أصَرّح بها من فراغ، أحياناً نتحدى القدر بطريقة عكسية، أحياناً نُصَرّح بكلمات ضد حاجتنا موهمين القدر بأنه سينتصر لو إنتصرت كلماتنا، ويحدث ما نتمناه ومالم نُصَرّح به، ونحجز لقلوبنا حيزأ من السعادة فى زمن قاسى حزين، فهل تعودين؟!