أربعة شهور مضت ولم أكتب حرفاً واحداً عنه، ربما كتبت الكثير .. وسطرت جُملاً فى داخلى كانت أكثر صدقاً وبلاغة مما قد أكتبه الآن.
كتبتها عند قبورهم .. أحمد ومصطفى .. ومعتز، كتبتها عندما صحوت من نومى ، أمر على غرفة أبى فى طريقى للحمام ، ليلاً كنت أمر عليهم (أبى وأمى) .. ألتقط صوت نفس واحد من أنفاسهم .. نفس واحد يكفينى .. أطمئن .. وأمضى!
ما حدث فى هذا الصباح كان مُختلفاً .. أتكفى كلمة (مُختلفاً) للتعبير عن موت أبي؟!
أمى كانت تزور أهلها فى مقابر بلدتها ، أخى وأختى لكل منهما أسرة وبيتاً مستقل يعيشان فيه،
-    حماده ، اصحى يلا عشان تنزل الجامعة.
كان ذلك فى الثامنة والنصف صباح يوم الإثنين 29/9(سبتمبر) /2008 – 29/9(رمضان) 1429
-    هنام شوية بس ، رددت على صوته القادم من الصالة.
عاودت النوم مجدداً ، صحوت فى الثانية عشرة والنصف على رنة هاتفى ، كان المتصل محمد ياسر ، لم أرد عليه وقررت الذهاب للحمام ، فى طريقى لمحت أبى الراقد على ظهره.. لماذا حكمت على أنها رقدة موت؟ .. هل رأيت أباك ميتاً من قبل؟! فمه مفتوح بطريقة غريبة ، ثم ماذا عن النفس؟!
جاءت اللحظة التى تمر فيها على أبيك تُحاول أن تلتقط صوت نفسه لتطمئن .. لتمضى ، الآن لا نفس .. لا اطمئنان ، ولا مضى، وحدك فى المنزل كنت تستقبل رساله شخصية من الله، رسالة تم الترتيب لها بدقة ، أظننى الآن لا أعرف ماذا سأكتب بعد ذلك؟!
أذكر أننى لا أنسى شكل أخى المُتسائل الصاعد على السلم ، من أسفل لأعلى يظهر وجهه ثم بقية جسده ، لم أستطع أن أحدد بالظبط .. هل كان يصعد .. أم يهوى؟! كُنت أراه من باب شقتنا الذى أصبح مفتوحاً لأيام!
لا أنسى الحزن الباكى ما بين الصمت والصراخ .. حالة نشوية يتحول فيها الصوت الخارج إلى صوت عميق باكى صارخ غير مسموع ، كان هذا لأختى وأمى ، حزنهما مُتسائل ، ماذا حدث؟!
أنا لا أعرف ماذا حدث ، أنا لا أدرك ما حدث ، ربما حتى الآن لا أدرك ، أحيانا عند عودتى  للمنزل يكون سؤالى عن أبى على طرف لسانى ، أبتلعه فى صمت ، أتحدث مع أمى فى شئ آخر ، وأمضى..
خُماسيتنا أصبحت أربعه! أمى أصبحت تخاف ، أنا لا أزال معها فى المنزل ، أمُرُ ليلاً لألتقط صوت نفس ليُطمئننى .. ليجعلنى أمضى .. لكننى الآن أمضى فى شك!
ثلاثة … ؟؟!

« »